شبكة ودفّة

السَّمّاك والبحّار

بين شبكةٍ تمسك جسدًا،
ودفّةٍ تمسك مصيرًا،
يحتفظ البحر
بما لا يعود به أحد.
مهدي كوفاني – KUFANI

إهداءان

إلى المهندس المعماري العراقي
الذي احتمل اليابسة،
وسيظل يحمل فوقها
ظلا طويلا
من شط الكوفة

محمد حسين السيد جاسم العذاري الكوفي

إلى الكابتن الدنماركي
الذي خبرته البحار طويلًا،
ثم أعادته إلى اليابسة
وفي خطوه شيءٌ من الموج

توربن كريستيانسن

القصيدة الكاملة

شبكة ودفّة

السَّمّاك والبحّار

حين لا يكون البحر
قد اختار لونه،
يخرج السماك
وفي يده جوعٌ ملفوف بحبل.
يترك ظلّه على اليابسة،
ويرسل كفّه الأخرى
إلى القاع.

الشبكة لا تنزل وحدها؛
ينزل معها بيت،
وقدرٌ من الخبز،
وصمت امرأة تعرف
أن البحر
لا يوقّع على وعد.
يرميها،
فتتسع في العتمة
مثل سؤال
لا يحتمل جوابًا خفيفًا.

بينه وبين ما لا يراه
حبل مشدود:
من جهته
يد تعبت من الانتظار،
ومن الجهة الأخرى
سمكة لم تعرف بعد
أن حياتها دخلت
في حساب المساء.

ينتظر الثقل.
لا لأن الثقل أجمل،
بل لأن الخفة
لا تطعم أحدًا.
يفكر بالوفرة،
بالوزن،
وبالسوق الذي يحوّل
لمعان السمكة إلى رقم،
وحركتها الأخيرة
إلى مساومة.

قد يتأرجح ذهنه
كما تتأرجح الموجة،
لكن يده ثابتة
على عُدّة الصيد،
كأن المقادير
غرست في كفّه
عقيدةً
لا يناقشها الماء.

عيناه مرصدان صغيران.
تقرآن ارتعاش السطح،
وميل الريح،
ودوران الطيور
فوق موضع خفيّ من البحر.
يعرف الماء
بقدر ما يسمح له
أن يعود.
يعرف طبقاته القريبة،
ومواسمه،
والبقعة التي تصعد منها الرائحة،
والصمت الذي يسبق
تبدل الطقس.
لكن معرفته
معرفة البقاء،
لا معرفة الرحيل.
يعرف موضع السمكة،
ولا يعرف
موضعه منها.

في المساء
لا يتفقد أحلامه.
يتفقد الثقوب
التي تركتها الأسماك الناجية،
يشد عقدةً،
ويرقّع أخرى،
ويهيئ الغد
للقلق نفسه.
كأن الأيام
شبكة واحدة
تتغير عقدها.

الفقر وشاح أخضر باهت
على صدره،
يذبل كلما لامسه الملح.
وعيناه
فقدتا شيئًا من بريقهما
قبل أن تبلغا الأفق.
الصيد لم يعد مهنته.
صار هيئةً في جسده،
وطريقةً للنظر.
إذا لمح ظلًا
تخيل وزنه.
وإذا رأى حركةً في الماء
فكر بما يمكن
أن تمسكه يده.
قد يدرك العمق،
لكنه لا يخوضه.
فالعمق عنده
معلومة نافعة،
لا إقامة.

الأسماك لا تعرف اسمه.
تعرف ظل القارب،
ورعشة الخيط،
والشبكة التي تتظاهر بالماء،
والطعم الذي يتخفى
في هيئة نجاة.
يتقن السماك
صناعة الرغبة المناسبة
لكل فم.
لكل سمكة طُعم،
ولكل طُعم رائحة،
ولكل رائحة كلفة.
حتى الوهم
له ميزانية.
وحين يكون فقيرًا
يضع طعمًا رخيصًا،
فتقع فيه الأسماك الصغيرة،
تلك التي لم تأخذ العبرة
من البحر بعد،
ولم تعرف
أن الطعام السهل
قد يكون أضيق أبواب الموت.

أما السلحفاة
فلا تملك سرعة الفزع،
ولهذا
تضطر إلى النظر.
تمضي ببطء
يكفي لتمييز سنارة
تتظاهر بالدودة،
وشبكة
تتظاهر بالماء،
وعشب بحري
لا يريد منها شيئًا.
ورثت من أعمار أسلافها
شكًّا طويلًا
في الأشياء السهلة.
لا تمد فمها
إلى كل ما يقترب،
ولا تحسب الطعام
بريئًا
لمجرد أنه لا يتحرك.
البطء أحيانًا
عين إضافية.
خصوصًا
حين يكون الحوت قريبًا.

من يدري؟
قد تستيقظ الأسماك يومًا
على رغبة في النجاة،
فتجمع زعانفها
حول حوت
تظنه طريقًا.
من بعيد
يبدو ظهره جزيرة.
ومن قريب
يتضح أنه فم.
سيقودها
أو يبتلعها.
وفي الحالتين
ستتحرك
في الاتجاه الذي يريده.

تعيش الأسماك،
في عين السماك،
في العالم السفلي.
أما عالمه العلوي
فلا تعرف عنه شيئًا:
السوق،
والدَّين،
وأفواه البيت،
ويد المشتري،
واليد الأعلى من المشتري،
تلك التي لا تظهر في القارب
لكنها تحدد سعر
ما يخرج منه.

هل تعرف الأسماك
أن البشر قسموا الماء؟
هل سمعت
باتفاقيات الصيد،
والحدود البحرية،
والمناطق التي يتحول فيها العبور
إلى مخالفة؟
السمكة تعبر
من ماء إلى ماء،
ولا تعرف أنها غادرت دولة
ودخلت أخرى.
لا ترى الخطوط
التي رسمها البشر
فوق رأسها.
الماء يملأ الأرض،
والإنسان يملأ الماء
بالخرائط،
والحراس،
والتصاريح.

لكن شبكة السماك
ليست الشبكة الوحيدة
في البحر.
تحت القارب،
أبعد من السنارة،
وأعمق من ذاكرة السمكة،
تمتد شبكة أخرى.
كابلات طويلة
مدفونة في العتمة،
كأعصاب لا يراها الجسد
لكنه يرتجف
إذا انقطع أحدها.
تمر فيها الأخبار،
والصور،
والأوامر،
والصفقات،
والاعترافات،
والأكاذيب
التي أُحكم إغلاقها.
السماك يرمي شبكةً
ليمسك سمكة.
والعالم يرمي شبكةً
تحت البحر
ليمسك نفسه.

الأولى تعود
برائحة القشور.
والثانية
بأسرار القارات.
فوق الماء
موجة وسفينة.
وتحته
تمر عاصمة إلى عاصمة،
ومصرف إلى مصرف،
وحرب إلى حرب،
وعاشق إلى عاشق
لا يعرف أن كلماته
تسير بمحاذاة الغرقى.
كل ما يقال
في الغرف المغلقة
يعبر يومًا
في قاع مفتوح.

كأن اليابسة
كلما ضاقت بأسرارها
دفعتها إلى البحر.
لم يعد القاع
مقبرةً للسفن وحدها.
صار ذاكرةً
لا يملك أحد
حق فتحها كاملة.
هناك
يمر المال بلا حقيبة،
والسلطة بلا علم،
والحرب بلا صوت.
فهل يخفي البحر
هذه الأسرار،
أم يؤجل ظهورها؟
وهل صمته أمانة،
أم تهديد
لم يحن وقته؟

متى ترتفع المياه
لا لتغرق المدن،
بل لتكشف
ما أخفته المدن فيها؟
متى يطفو السر
كما تطفو جثة
تأخر اسمها؟
لعل البحر
لا ينسى شيئًا.
إنه فقط
يصبر طويلًا،
حتى يغصّ بموجته،
ويصعد السر
إلى حلق الماء.

عند هذا العمق
يتغير معنى الشبكة.
لم تعد تمسك كائنًا،
بل تمسك عالمًا.
وفوق هذه الأعصاب
تمر سفينة.
يقف عند مؤخرتها رجل
لا يعرف الرسائل
التي تعبر تحته،
لكنه يعرف
كيف تعبر الريح فوقه.
بين سر يجري في القاع،
واتجاه يتشكل في اليد،
يظهر البحّار.

لا يدخل البحّار البحر
كما يدخله السماك.
السماك يريد
ما في الماء.
والبحّار يريد أن يعرف
إلى أين يمكن للماء
أن يأخذه.
هو ابن اللحظة الحاسمة،
لكن اللحظة عنده
حصيلة ألف انتباه.
قبل أن يتكلم
يكون قد أصغى
إلى خشب السفينة،
وتفحص ميل الريح،
وراقب لون الأفق،
وشم رطوبةً زائدة
في جهة لا تطمئن.
يعرف أن البحر
لا يرفع صوته دائمًا
قبل أن ينقلب.
لهذا يقرأ
ما لا يكتبه الماء:
اضطراب طائر بعيد،
ارتخاء حبل،
اختلال نبرة المحرك،
وصمت الموجة
حين يكون صمتها
أشد من هديرها.

السفينة عنده
ليست خشبًا يحمل الناس.
إنها جسد آخر.
يعرف موضع تعبها،
وأين يخفي الحديد صدأه،
وأي صوت
لا ينبغي أن يصدر
في منتصف الليل.
يضع يده على خاصرتها،
فيقرأ ارتجافها
كما يقرأ طبيب
نبض مريض
لا يستطيع الكلام.

يتقن النوم وسط البحر،
لكنه لا ينام كله.
يبقى منه جزء
معلقًا في الحبال،
وفي تنفس المحرك،
وفي ارتطام الماء
بجسد السفينة.
كأن له جسدين:
جسدًا يستريح،
وجسدًا يحرس نومه.
الملح لا يبقى
على جلده وحده.
يدخل في ذاكرته،
ويترك في صوته خشونةً
لا تصنعها اليابسة.
ومن الحبال
تتعلم يداه
أن القوة لا تكفي.
العقدة المحكمة
ليست التي لا تنفك،
بل التي تعرف
متى تتمسك،
ومتى تسمح بالرحيل.

ليس البحّار
سيدًا كاملًا على رحلته.
قد يمسك بالحبل،
لكن الميناء يمسك بموعده.
وقد يقف عند الدفّة،
فيما تمسك شركة،
أو دولة،
أو حرب
بمصير السفينة.
بعض البحارة
يقودون المركب،
ولا يقودون الرحلة.
وقد يسمي هربه سفرًا،
ويحسب كثرة الموانئ
معرفةً بالعالم.
قد يبتعد عن كل شاطئ
لكي لا يجيب
عن سؤال ينتظره على اليابسة.
وقد يحمل سجنه معه
من ميناء إلى ميناء.
البحر لا يجعل الإنسان
حرًا بالضرورة.
إنه فقط
ينزع عنه الجدران،
ويتركه أمام نفسه.

ينظر البحّار إلى السماء،
لا لأن النجوم أجمل،
بل لأن الماء
حين يشتد ظلامه
لا يدل على شيء.
البوصلة تشير.
لكنها لا تختار.
تقول أين يقع الشمال،
ولا تقول
لماذا ينبغي الوصول إليه.
أما القرار
فيتجمع في الدفّة.
الدفّة صغيرة،
لكن السفينة كلها
تصغي إلى انحرافها.
قطعة لا تكاد تُرى
تقرر لأي موجة
سيدير المركب خاصرته،
وعن أي صخرة
سيصرف قلبه.
يمسكها البحّار
كمن يمسك عاقبةً كاملة.
فاليد التي تحركها
لا تغير اتجاه الخشب وحده،
بل تغير مصير
كل من نام داخله.

الدفّة لا تعرف
إن كانت اليد حكيمةً
أم مذعورة.
إنها تطيع.
ولهذا
لا تكفي قوة اليد.
عليها أن تعرف
متى تقاوم البحر،
ومتى تمنح السفينة
مساحةً
كي تتفاهم معه.
فليس كل انحراف ضياعًا،
ولا كل استقامة نجاة.
أحيانًا
يصل المركب
لأنه ابتعد قليلًا
عن الجهة التي أرادها.

وللبحر أيضًا
مواضع يضيق فيها تنفسه.
يمر العالم من حنجرته
سفينةً بعد سفينة،
ثم يسمي تلك الحنجرة
مضيقًا.
من ضيق النفس
إلى مضيق هرمز
لا يتغير الاختناق.
يتغير فقط
من يشد الخناق.
للمضيق حافتان،
لكن كل حافة
لا ترى من العالم
إلا ضيق الأخرى.
حتى غدا المضيق
حافةً للعالم.

هناك
يضيق الماء
فتتسع السلطة.
ويضيق الممر
فتظهر الأطماع
أكبر من السفن التي تحملها.
إذا اضطرب الماء فيه
ارتجفت موائد بعيدة،
وتبدلت أسعار،
واستيقظت عواصم
لم تسمع صوت الموج.
عند المضيق
لا تقود الدفّة سفينةً فقط.
تدير خلفها
علمًا،
وشحنةً،
ومصلحةً،
ودولةً كاملة
تتظاهر بأنها غائبة.
كل سفينة تعبر
تحمل أكثر
مما يظهر في قوائم الحمولة.
تحمل الخوف،
والنفوذ،
والرسائل التي لا تُكتب،
واحتمال أن يتحول الممر
إلى قبضة.
وخلفها،
بعيدًا عن عين البحّار،
أساطيل تقيس الماء
بمدى السلاح.
في المضيق
يتعلم الماء
كيف يصبح سياسة.
وتتعلم الدفّة
كيف تتحول
إلى إصبع
يختبر توازن العالم.

ومع ذلك
يبقى البحّار
مصغيًا إلى الموجة المقبلة.
يعرف أن الدول
قد تتخاصم فوق الماء،
لكن البحر
لا يعترف بأعلامها.
ولا يميز،
حين يرفع موجته،
بين سفينة حربية
وقارب صغير.

السماك يمسك الشبكة.
والبحّار يمسك الدفّة.
الأول ينتظر
أن يثقل الحبل.
والثاني ينتظر
أن يتغير الأفق.
لكن البحر
لا يفرق كثيرًا
بين من جاءه بطعم
ومن جاءه ببوصلة.
يسمح لكل واحد منهما
بجزء من معرفته،
ثم يستعيد ما تبقى.
السماك يعود
بجسد
أو بفراغ.
والبحّار يعود
بمسافة
أو بتيه.

أما البحر
فيحتفظ بما لم يُرَ:
بالسمكة التي أفلتت،
والسفينة التي لم تبلغ،
والكلمة التي عبرت في الكابل
ولم تصل،
وبالدفّة
حين ارتجفت في يد صاحبها،
وبالمضيق
حين ضاق
بما عبر فيه.

تحت الجميع
تواصل الكابلات همسها.
وفوق الجميع
تواصل الموجة
محو أثرها.
لا أحد يعرف
هل البحر يخفي الأسرار،
أم يدخرها
ليوم لا يكون فيه الصمت
قادرًا على حملها.
يرفع موجة،
ثم يغلقها.
كأنه بدأ الكلام
فغصّ بالكلمة الأولى.

مقاطع القصيدة

قراءة موضوعية لقصيدة «شبكة ودفّة»، تقسم النص إلى ركائزه الداخلية من دون تغيير متنه أو ترتيب أسطره. عناوين المقاطع مفاتيح للقراءة والتنقل، وليست جزءًا من النص الشعري الأصلي.

شبكة ودفّة

السَّمّاك والبحّار

بين شبكةٍ تمسك جسدًا،
ودفّةٍ تمسك مصيرًا،
يحتفظ البحر
بما لا يعود به أحد.
المقطع 01

جوعٌ ملفوف بحبل

حين لا يكون البحر
قد اختار لونه،
يخرج السماك
وفي يده جوعٌ ملفوف بحبل.
يترك ظلّه على اليابسة،
ويرسل كفّه الأخرى
إلى القاع.

الشبكة لا تنزل وحدها؛
ينزل معها بيت،
وقدرٌ من الخبز،
وصمت امرأة تعرف
أن البحر
لا يوقّع على وعد.
يرميها،
فتتسع في العتمة
مثل سؤال
لا يحتمل جوابًا خفيفًا.

بينه وبين ما لا يراه
حبل مشدود:
من جهته
يد تعبت من الانتظار،
ومن الجهة الأخرى
سمكة لم تعرف بعد
أن حياتها دخلت
في حساب المساء.

ينتظر الثقل.
لا لأن الثقل أجمل،
بل لأن الخفة
لا تطعم أحدًا.
يفكر بالوفرة،
بالوزن،
وبالسوق الذي يحوّل
لمعان السمكة إلى رقم،
وحركتها الأخيرة
إلى مساومة.

قد يتأرجح ذهنه
كما تتأرجح الموجة،
لكن يده ثابتة
على عُدّة الصيد،
كأن المقادير
غرست في كفّه
عقيدةً
لا يناقشها الماء.

المقطع التالي
المقطع 02

معرفة البقاء

عيناه مرصدان صغيران.
تقرآن ارتعاش السطح،
وميل الريح،
ودوران الطيور
فوق موضع خفيّ من البحر.
يعرف الماء
بقدر ما يسمح له
أن يعود.
يعرف طبقاته القريبة،
ومواسمه،
والبقعة التي تصعد منها الرائحة،
والصمت الذي يسبق
تبدل الطقس.
لكن معرفته
معرفة البقاء،
لا معرفة الرحيل.
يعرف موضع السمكة،
ولا يعرف
موضعه منها.

في المساء
لا يتفقد أحلامه.
يتفقد الثقوب
التي تركتها الأسماك الناجية،
يشد عقدةً،
ويرقّع أخرى،
ويهيئ الغد
للقلق نفسه.
كأن الأيام
شبكة واحدة
تتغير عقدها.

الفقر وشاح أخضر باهت
على صدره،
يذبل كلما لامسه الملح.
وعيناه
فقدتا شيئًا من بريقهما
قبل أن تبلغا الأفق.

السابق التالي
المقطع 03

هيئة الصيد

الصيد لم يعد مهنته.
صار هيئةً في جسده،
وطريقةً للنظر.
إذا لمح ظلًا
تخيل وزنه.
وإذا رأى حركةً في الماء
فكر بما يمكن
أن تمسكه يده.
قد يدرك العمق،
لكنه لا يخوضه.
فالعمق عنده
معلومة نافعة،
لا إقامة.

الأسماك لا تعرف اسمه.
تعرف ظل القارب،
ورعشة الخيط،
والشبكة التي تتظاهر بالماء،
والطعم الذي يتخفى
في هيئة نجاة.

السابق التالي
المقطع 04

الطُّعم والوهم

يتقن السماك
صناعة الرغبة المناسبة
لكل فم.
لكل سمكة طُعم،
ولكل طُعم رائحة،
ولكل رائحة كلفة.
حتى الوهم
له ميزانية.
وحين يكون فقيرًا
يضع طعمًا رخيصًا،
فتقع فيه الأسماك الصغيرة،
تلك التي لم تأخذ العبرة
من البحر بعد،
ولم تعرف
أن الطعام السهل
قد يكون أضيق أبواب الموت.

السابق التالي
المقطع 05

البطء والحوت

أما السلحفاة
فلا تملك سرعة الفزع،
ولهذا
تضطر إلى النظر.
تمضي ببطء
يكفي لتمييز سنارة
تتظاهر بالدودة،
وشبكة
تتظاهر بالماء،
وعشب بحري
لا يريد منها شيئًا.
ورثت من أعمار أسلافها
شكًّا طويلًا
في الأشياء السهلة.
لا تمد فمها
إلى كل ما يقترب،
ولا تحسب الطعام
بريئًا
لمجرد أنه لا يتحرك.
البطء أحيانًا
عين إضافية.
خصوصًا
حين يكون الحوت قريبًا.

من يدري؟
قد تستيقظ الأسماك يومًا
على رغبة في النجاة،
فتجمع زعانفها
حول حوت
تظنه طريقًا.
من بعيد
يبدو ظهره جزيرة.
ومن قريب
يتضح أنه فم.
سيقودها
أو يبتلعها.
وفي الحالتين
ستتحرك
في الاتجاه الذي يريده.

السابق التالي
المقطع 06

العالم السفلي

تعيش الأسماك،
في عين السماك،
في العالم السفلي.
أما عالمه العلوي
فلا تعرف عنه شيئًا:
السوق،
والدَّين،
وأفواه البيت،
ويد المشتري،
واليد الأعلى من المشتري،
تلك التي لا تظهر في القارب
لكنها تحدد سعر
ما يخرج منه.

هل تعرف الأسماك
أن البشر قسموا الماء؟
هل سمعت
باتفاقيات الصيد،
والحدود البحرية،
والمناطق التي يتحول فيها العبور
إلى مخالفة؟
السمكة تعبر
من ماء إلى ماء،
ولا تعرف أنها غادرت دولة
ودخلت أخرى.
لا ترى الخطوط
التي رسمها البشر
فوق رأسها.
الماء يملأ الأرض،
والإنسان يملأ الماء
بالخرائط،
والحراس،
والتصاريح.

السابق التالي
المقطع 07

الشبكة الثانية

لكن شبكة السماك
ليست الشبكة الوحيدة
في البحر.
تحت القارب،
أبعد من السنارة،
وأعمق من ذاكرة السمكة،
تمتد شبكة أخرى.
كابلات طويلة
مدفونة في العتمة،
كأعصاب لا يراها الجسد
لكنه يرتجف
إذا انقطع أحدها.
تمر فيها الأخبار،
والصور،
والأوامر،
والصفقات،
والاعترافات،
والأكاذيب
التي أُحكم إغلاقها.
السماك يرمي شبكةً
ليمسك سمكة.
والعالم يرمي شبكةً
تحت البحر
ليمسك نفسه.

الأولى تعود
برائحة القشور.
والثانية
بأسرار القارات.
فوق الماء
موجة وسفينة.
وتحته
تمر عاصمة إلى عاصمة،
ومصرف إلى مصرف،
وحرب إلى حرب،
وعاشق إلى عاشق
لا يعرف أن كلماته
تسير بمحاذاة الغرقى.
كل ما يقال
في الغرف المغلقة
يعبر يومًا
في قاع مفتوح.

كأن اليابسة
كلما ضاقت بأسرارها
دفعتها إلى البحر.
لم يعد القاع
مقبرةً للسفن وحدها.
صار ذاكرةً
لا يملك أحد
حق فتحها كاملة.
هناك
يمر المال بلا حقيبة،
والسلطة بلا علم،
والحرب بلا صوت.

السابق التالي
المقطع 08

حين يغصّ البحر بموجته

فهل يخفي البحر
هذه الأسرار،
أم يؤجل ظهورها؟
وهل صمته أمانة،
أم تهديد
لم يحن وقته؟
متى ترتفع المياه
لا لتغرق المدن،
بل لتكشف
ما أخفته المدن فيها؟
متى يطفو السر
كما تطفو جثة
تأخر اسمها؟
لعل البحر
لا ينسى شيئًا.
إنه فقط
يصبر طويلًا،
حتى يغصّ بموجته،
ويصعد السر
إلى حلق الماء.

عند هذا العمق
يتغير معنى الشبكة.
لم تعد تمسك كائنًا،
بل تمسك عالمًا.
وفوق هذه الأعصاب
تمر سفينة.
يقف عند مؤخرتها رجل
لا يعرف الرسائل
التي تعبر تحته،
لكنه يعرف
كيف تعبر الريح فوقه.
بين سر يجري في القاع،
واتجاه يتشكل في اليد،
يظهر البحّار.

السابق التالي
المقطع 09

ابن اللحظة الحاسمة

لا يدخل البحّار البحر
كما يدخله السماك.
السماك يريد
ما في الماء.
والبحّار يريد أن يعرف
إلى أين يمكن للماء
أن يأخذه.
هو ابن اللحظة الحاسمة،
لكن اللحظة عنده
حصيلة ألف انتباه.
قبل أن يتكلم
يكون قد أصغى
إلى خشب السفينة،
وتفحص ميل الريح،
وراقب لون الأفق،
وشم رطوبةً زائدة
في جهة لا تطمئن.
يعرف أن البحر
لا يرفع صوته دائمًا
قبل أن ينقلب.
لهذا يقرأ
ما لا يكتبه الماء:
اضطراب طائر بعيد،
ارتخاء حبل،
اختلال نبرة المحرك،
وصمت الموجة
حين يكون صمتها
أشد من هديرها.

السابق التالي
المقطع 10

جسد السفينة

السفينة عنده
ليست خشبًا يحمل الناس.
إنها جسد آخر.
يعرف موضع تعبها،
وأين يخفي الحديد صدأه،
وأي صوت
لا ينبغي أن يصدر
في منتصف الليل.
يضع يده على خاصرتها،
فيقرأ ارتجافها
كما يقرأ طبيب
نبض مريض
لا يستطيع الكلام.

يتقن النوم وسط البحر،
لكنه لا ينام كله.
يبقى منه جزء
معلقًا في الحبال،
وفي تنفس المحرك،
وفي ارتطام الماء
بجسد السفينة.
كأن له جسدين:
جسدًا يستريح،
وجسدًا يحرس نومه.
الملح لا يبقى
على جلده وحده.
يدخل في ذاكرته،
ويترك في صوته خشونةً
لا تصنعها اليابسة.
ومن الحبال
تتعلم يداه
أن القوة لا تكفي.
العقدة المحكمة
ليست التي لا تنفك،
بل التي تعرف
متى تتمسك،
ومتى تسمح بالرحيل.

السابق التالي
المقطع 11

من يقود الرحلة؟

ليس البحّار
سيدًا كاملًا على رحلته.
قد يمسك بالحبل،
لكن الميناء يمسك بموعده.
وقد يقف عند الدفّة،
فيما تمسك شركة،
أو دولة،
أو حرب
بمصير السفينة.
بعض البحارة
يقودون المركب،
ولا يقودون الرحلة.
وقد يسمي هربه سفرًا،
ويحسب كثرة الموانئ
معرفةً بالعالم.
قد يبتعد عن كل شاطئ
لكي لا يجيب
عن سؤال ينتظره على اليابسة.
وقد يحمل سجنه معه
من ميناء إلى ميناء.
البحر لا يجعل الإنسان
حرًا بالضرورة.
إنه فقط
ينزع عنه الجدران،
ويتركه أمام نفسه.

ينظر البحّار إلى السماء،
لا لأن النجوم أجمل،
بل لأن الماء
حين يشتد ظلامه
لا يدل على شيء.

السابق التالي
المقطع 12

الدفّة

البوصلة تشير.
لكنها لا تختار.
تقول أين يقع الشمال،
ولا تقول
لماذا ينبغي الوصول إليه.
أما القرار
فيتجمع في الدفّة.
الدفّة صغيرة،
لكن السفينة كلها
تصغي إلى انحرافها.
قطعة لا تكاد تُرى
تقرر لأي موجة
سيدير المركب خاصرته،
وعن أي صخرة
سيصرف قلبه.
يمسكها البحّار
كمن يمسك عاقبةً كاملة.
فاليد التي تحركها
لا تغير اتجاه الخشب وحده،
بل تغير مصير
كل من نام داخله.

الدفّة لا تعرف
إن كانت اليد حكيمةً
أم مذعورة.
إنها تطيع.
ولهذا
لا تكفي قوة اليد.
عليها أن تعرف
متى تقاوم البحر،
ومتى تمنح السفينة
مساحةً
كي تتفاهم معه.
فليس كل انحراف ضياعًا،
ولا كل استقامة نجاة.
أحيانًا
يصل المركب
لأنه ابتعد قليلًا
عن الجهة التي أرادها.

السابق التالي
المقطع 13

حافة العالم

وللبحر أيضًا
مواضع يضيق فيها تنفسه.
يمر العالم من حنجرته
سفينةً بعد سفينة،
ثم يسمي تلك الحنجرة
مضيقًا.
من ضيق النفس
إلى مضيق هرمز
لا يتغير الاختناق.
يتغير فقط
من يشد الخناق.
للمضيق حافتان،
لكن كل حافة
لا ترى من العالم
إلا ضيق الأخرى.
حتى غدا المضيق
حافةً للعالم.

هناك
يضيق الماء
فتتسع السلطة.
ويضيق الممر
فتظهر الأطماع
أكبر من السفن التي تحملها.
إذا اضطرب الماء فيه
ارتجفت موائد بعيدة،
وتبدلت أسعار،
واستيقظت عواصم
لم تسمع صوت الموج.
عند المضيق
لا تقود الدفّة سفينةً فقط.
تدير خلفها
علمًا،
وشحنةً،
ومصلحةً،
ودولةً كاملة
تتظاهر بأنها غائبة.
كل سفينة تعبر
تحمل أكثر
مما يظهر في قوائم الحمولة.
تحمل الخوف،
والنفوذ،
والرسائل التي لا تُكتب،
واحتمال أن يتحول الممر
إلى قبضة.
وخلفها،
بعيدًا عن عين البحّار،
أساطيل تقيس الماء
بمدى السلاح.
في المضيق
يتعلم الماء
كيف يصبح سياسة.
وتتعلم الدفّة
كيف تتحول
إلى إصبع
يختبر توازن العالم.

ومع ذلك
يبقى البحّار
مصغيًا إلى الموجة المقبلة.
يعرف أن الدول
قد تتخاصم فوق الماء،
لكن البحر
لا يعترف بأعلامها.
ولا يميز،
حين يرفع موجته،
بين سفينة حربية
وقارب صغير.

السابق التالي
المقطع 14

ما لا يعود به أحد

السماك يمسك الشبكة.
والبحّار يمسك الدفّة.
الأول ينتظر
أن يثقل الحبل.
والثاني ينتظر
أن يتغير الأفق.
لكن البحر
لا يفرق كثيرًا
بين من جاءه بطعم
ومن جاءه ببوصلة.
يسمح لكل واحد منهما
بجزء من معرفته،
ثم يستعيد ما تبقى.
السماك يعود
بجسد
أو بفراغ.
والبحّار يعود
بمسافة
أو بتيه.

أما البحر
فيحتفظ بما لم يُرَ:
بالسمكة التي أفلتت،
والسفينة التي لم تبلغ،
والكلمة التي عبرت في الكابل
ولم تصل،
وبالدفّة
حين ارتجفت في يد صاحبها،
وبالمضيق
حين ضاق
بما عبر فيه.

تحت الجميع
تواصل الكابلات همسها.
وفوق الجميع
تواصل الموجة
محو أثرها.
لا أحد يعرف
هل البحر يخفي الأسرار،
أم يدخرها
ليوم لا يكون فيه الصمت
قادرًا على حملها.
يرفع موجة،
ثم يغلقها.
كأنه بدأ الكلام
فغصّ بالكلمة الأولى.

السابق
انتقل إلى مقطع

عن النص

«شبكة ودفّة» قصيدة نثر تتحرك بين شخصيتين: السَّمّاك والبحّار، غير أن البحر فيها ليس خلفيةً للأحداث، بل شخصية ثالثة تحفظ الأسرار، وتراقب الصيد والاتجاه والقرار والمضيق والكابلات التي تمر في قاعه كأعصاب للعالم.

يتجاور في النص رزق الجسد مع خرائط النفوذ، وشبكة الصيد مع شبكة البيانات، والدفّة مع المصير، والمضيق مع حافة العالم.

مهدي كوفاني – KUFANI

كوبنهاغن

عن كوفاني

مهدي كوفاني – KUFANI

فنان تشكيلي وناشر وكاتب ومصمم مشاريع ثقافية، يقيم في كوبنهاغن. يعمل عند المنطقة التي تتقاطع فيها الصورة مع النص، والقصيدة مع الفكرة، والكتاب مع الموقع التفاعلي.

لا يتعامل كوفاني مع الوسائط الرقمية بوصفها أوعية لنقل العمل فقط، بل بوصفها جزءًا من بنائه؛ لذلك تتحول قصائده ومشاريعه إلى فضاءات قابلة للقراءة والمشاهدة والتفاعل، وتتحرك أعماله بين الذاكرة العراقية، والمنفى، والهوية، والسلطة، واللغة، والأثر البصري.

في مشروع «شبكة ودفّة» يلتقي السَّمّاك والبحّار داخل بحر لا يعمل خلفيةً للمشهد، بل ذاكرةً تخفي شبكات العالم وأسراره، وتضع الصيد والاتجاه والمضيق والمصير في بنية شعرية واحدة.

أعمال ومشاريع مختارة

تحميل ومشاركة


تواصل

أرسل رسالتك مباشرة إلى الكاتب والفنان مهدي كوفاني

موسيقى هادئة